أبي منصور الماتريدي
534
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يسألون سؤال تعنت ، لا سؤال استرشاد واهتداء . وقوله : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ . قيل « 1 » : اختار الكفر بالإيمان . وقيل « 2 » : ومن يختر « 3 » شدة الآخرة على رخائها وسعتها . وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - : « ومن يشتر الكفر بالإيمان » وذلك كله واحد . وقوله : فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ . قيل « 4 » : عدل عن الطريق . وقيل « 5 » : عدل عن قصد الطريق . وقيل « 6 » : أخطأ قصد طريق الهدى ، وكله واحد . وقوله : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً . إنهم كانوا يجهدون كل جهدهم حتى يصرفوا ويردوا أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم عن دين الله - الإسلام - إلى ما هم عليه ؛ كقوله تعالى : وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [ آل عمران : 69 ] ، وكقوله : إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ [ آل عمران : 100 ] ، وكقوله : يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ . . . الآية [ آل عمران : 149 ] . وذلك - والله أعلم - لخوف فوت رياستهم التي كانت لهم ، وذهاب منافعهم التي ينالون من الأتباع والسفلة ، فودّوا ردّهم وصرفهم إلى دينهم . ثم احتجت المعتزلة علينا بظاهر قوله تعالى : حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ، قالوا : دلت الآية على أن الحسد « 7 » ليس من عند الله بما نفاه - عزّ وجل - عنه ، وأضافه إلى أنفسهم
--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 1 / 105 ) . ( 2 ) قاله أبو العالية ، أخرجه ابن جرير عنه ( 1787 ، 1788 ) . وانظر الدر المنثور ( 1 / 201 ) . ( 3 ) في ط : يختار . ( 4 ) قاله السدى ، أخرجه ابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 1 / 201 ) . ( 5 ) انظر تفسير البغوي ( 1 / 105 ) . ( 6 ) انظر تفسير البغوي ( 1 / 105 ) . ( 7 ) الحسد : بفتح السين أكثر من سكونها ، وهو مصدر : حسد ، ومعناه في اللغة : أن يتمنى الحاسد زوال نعمة المحسود . وأما معنى الحسد في الاصطلاح فلا يخرج عن المعنى اللغوي . والحسد إن كان حقيقيا - أي : بمعنى تمنى زوال النعمة عن الغير - فهو حرام بإجماع الأمة ؛ لأنه اعتراض على الحق ، ومعاندة له ، ومحاولة لنقض ما فعله ، وإزالة فضل الله عمن أهّله له ، -